النوبة 2 من لعنة الحبيبة إلى لعنة الأمهات « الكليشيه هو إلى يحكم « 

تابعت مشروع النوبة في السنة الفارطة بكثير من الحماس على أمل التجديد وبحثا عن طرح مختلف خارج دوائر الإنتاج المهيمنة، خصوصا وأنّ المخرج وفريقه ينتمون إلى جيل يتوق إلى التسلل نحو مواقع التأثير ودفع قاطرة التغيير بمجتمع عالق بين تصفيات الماضى ورهانات حاضر متشعّب

أحببت النوبة، خرافة المزود وعالمه. أحببت الأدوار النسائية القريبة لحبيبة ووسيلة. أحببت دور الـ« حبيبة » أكثر. استوقفني الفستان الأحمر الأنثوى المتوهج المتصدّر لفريق العمل في صورة الأفيش، رفعة رأسها الفخورة وحدّة الذكاء بعينيها. أحببت حبيبة، أقنعنى دورها كفتاة من بيئة عنيفة مال قلبها لأول شاب يعاملها بلطف ورقّة تستجيب لهما في عفوية وانسيابية يترجمها نسق درامي متجانس، قبل أن يفاجئنا المخرج بـ« اغتصاب إنتقامي » من طرف خطيبها الصعلوك العنيف « برينڨا« .

توقف الجزء الأوّل وبى عدم ارتياح لاختيار المخرج لسردية تقليدية عن ملحمة « الحب الممنوع » التي تنتهي بالقتل أو بالاغتصاب. تابعت الجزء الثانى وبي فضول لمعرفة مصير الشخصيات الأنثوية في خرافة المخرج وفوجئت بتشظّي الإطار الأول للخرافة وتنقل الأحداث بين عوالم جديدة خارج أسوار المدينة العربى وخارج أحداث الجزء الأوّل.

تدور الحكاية في مطلع التسعينات، يقفز بنا المخرج من عالم المدينة إلى عالم البرط (الميناء)، إلى عالم الكباريه، إلى عالم السلطة، إلى عالم الجريمة، إلى عالم الجنونويمنح شخصيّاته النمطية جدا والمتكررة في المخيال التونسي (البوليس، المريض النفسي، المتديّن، الرڨاصة القبيحة، مديرة الكباريه، الـمثلى او ما يوحى بأنه مثلى, الحراڨة، الراقصة التي تعمل من أجل أطفالها، الباندي المجرم الذي أغضب أمّه، رجل السلطة المتورّط في شبكة مخدرات، إلخ…) بطاقات عبور جديدة لتتجاوز حدود سياسية واجتماعية وثقافية تفصل بين تلك العوالم الحاضرة بقوة في خيال التونسيين وذلك بسهولة أو تساهل يدعوان للتساؤل: ماذا يفعل المخرج ؟ هل يقدّم لنا عملا واقعيا تاريخيا ؟ لماذا إذن لا يلتزم بالدقة والموضوعية ؟ أم تراه يقدم لنا فانتازيا اجتماعية من تصوّره؟  لماذا إذن يحشر كل التصورات النمطية القائمة على ثنائيات « البلدية/ڨعار الريف »، « الشرطى الوطنى/ الشرطي المرتشي »، « المجرم المحترف/المجرم الصغير أو الصنايعي »، « المرأة المحبة الساذجة/ الأم القوية القاهرة »، « الإسلامى المتطرف/ المتدينة المعتدلة » وغيرها من القوالب التي حفظها التونسيون من خلال العديد من الروايات مرتكزا مع ذلك على حوادث تاريخية كانت حديث التونسيين لسنوات وجزء من ذاكرتهم؟

الإجابة التي توصلت إليها تتمثّل في أنّ التصوّر الفنى للمخرج ينضوي تحت ما يسمّى بإعادة تدوير الثقافة الشعبية وتقديمها بجمالية تخضع لذوق الفنان دون التزام، وهو ما عبّر عنه المخرج أكثر من مرّة بتأكيده على حريته في « اللعب » وتطويع العوالم والأنماط والشخصيات لخياله ورغبته. عبٌرت فئة من الجمهور عن استيائها من نقص التناسق والمعقولية. الأمر الناتج عن مزج حرّ لشخصيات وعوالم نمطية ذات مرجعية ثقافية « تونسية » وإقحامها في عوالم أخرى لم يتعوّد عليها المتفرج التونسي كالعصابات الهوليودية التي تحمل قيم جديدة كـ« العدالة العصابية« .

كنسوية وتقدمية أحبّ أن يكون الفن هادما للأنماط والتمثلات التقليدية التيفي اعتقاديهي سبب ما نعيشه من أفكار مسبقة وعنصرية وانقسامات وتخلّف فكري وحضاري. أحبّ أن يكون الفن مفكّرا، طارحا لتمثّلات جديدة متعدّدة ومنفتحة على مختلف المسارات المبتكرة نحو الانعتاق من سيرورة مُهيمنة هي الحبل اللامرئي الذي يقيّد خيالنا وإرادتنا. تقديم الشخصيات في أنماط تقليدية لا تتجاوز الأفق الذهني الجماعي للتونسيين، مثل الشرطية اليتيمة أو المثلي المصاب بالسيدا أو اليتيم المريض النفسي جراء طفولته وغيرها قد يكون فيه تطويع للذاكرة الجماعية وإستشارة لمشاعر الحنين وجذب للمشاهد من خلال تأجيج أحاسيس المطابقة والإنتماء لكنه يختزل التعددية والثراء الثقافي فى كليشيهات مانعة للتفكير النقدي ومرسّخة للأحكام المسبقة. كذلك التطرق المتساهل إلى مسائل اجتماعية شائكة مثل الاغتصاب والعنف الزوجى والحمل غير المرغوب فيه والتبنى والمرض النفسي و القتل من خلال تقديم إجابات جاهزة وسهلة الهضم ومختزلة للأبعاد المتشعبة لهذه القضايا.

لن أتوقف هنا عند تحويل الموسيقى الشعبية المقاومة للسلطة إلى منتوج « كيتش تونسي » مُفرغ من دلالاته السياسية والاجتماعية والثقافية ومُنمّق بجمالية تحيل إلى انتصار الموسيقى العالمة على تعبيرات المزود الأصلية وتعليبها بما يتماشى مع قانون السوق. لكننى سأتوقف عند تحويل معاناة النساء التونسيات إلى « كيتش » يتطابق مع تصورات السلطة في تونس عن نمط « المرا التونسية »، سأتوقف عند « حبيبة » التي تتحوّل بقدرة الظلم من المرأة الحبيبة إلى المرأة الحديدية رمز السلطة والكيد والانتقام بما يذكّرنا بصورة راسخة في أذهان التونسيين لـ« ليلى الطرابلسي بن علي« . نراها في مشهد الانتقام من « برينڨا »، تتقدّم رجالها مرتدية بنطلونا لأول مرّة حاملة سيجارة بين يديها ليكتمل كليشيه المرأة القوية. يتقدّم بها المخرجدون احترام لأي سيرورة طبيعيةلتصبح القائدة الجديدة للعصابة التي تستمد سلطتها من قوة رجالها، بعد أن غيّب الموت زوجها.

حَبيبة، « المرأة الحديدية »، افتكّها رجل من أبويها وقرّر عنها خطبتها بإبن أخيه العنيف، حين أحبّت عوقبت بالاغتصاب وأجبرت على الإحتفاظ بطفل لا تريده. ثمّ حين قررت رفض الحياة أجبرت عليها، كما أجبرت على التصالح مع أب أناني وحمل غير مرغوب فيه وحبيب غائب غارق في ذاتيته. كل هذا الخضوع مغلّف بحركات انتقامية هي كليشيهات الثورة السلطوية. حَبيبة خسرت أباها وحبيبها وحلمها في حياة مختلفة. يقدّم لنا المخرج عزاءها في أمومة غير مرغوبة وتحقيق ثأر لا يضيف لحياتها الكثير. تنكر حَبيبة خسارتها وتبيّض ما تتعرّض له وأخواتها من عنف وفرض بعبارة تحيل إلى كليشيه ذكوري جدا « يزّينى يا وسيلة، راهم النساء هوما إلى يحكمو ومن كثر قوّتهم مشّيين في بال الرجال إلّي هوما الكل في الكلّ ».  

لا يمكن ألاّ نتوقف كذلك عند شخصية « البطرونة نجوى »، مديرة الكباريه، التي لا تتوقف عن استظهار قسوتها وجفاف مشاعرها من الرحمة بالصراخ أو العنف تأكيدا على « قوتها » و« جبروتها » واعتمادها على « رجالها » لحماية سلطتها. ثم أمام المعرقلات، تتعدد وانهياراتها دون أي مقاومة حقيقية أو ردّة فعل سوى الدموع والارتجاف من انتقام « براداريس« .

وسيلة، الشخصية الأكثر وعدا بتقرير مصيرها الشخصي، ضحت بإبنها لحمايته من بطش زوج عنيف، دبرت سجن غريمتها و قتلت زوجها لتتخلص من عنفه. يحسب لها الجميع ألف حساب، و بالرغم من هذا التاريخ الشخصى، تصمت فى إستقبال صفعة من « كريم » بل و تنحنى لتقبل يده حين جاءها معتذرا فى موقف نشاز مع تاريخ الشخصية و فى ترسيخ « لقبولية » العنف العرضى.

كما أحب في الختام أن أتوقف على تأكيد المسلسل على المتلازمة الكليشيه لـ« الأمومة/القوة »، « الأمومة/الخارقة »، « الأمومة/التضحية »، « الأمومة/الصبر« … والمصير الواحد لكل النساء الأمهات في المسلسل الخاضعات في سبيل أبنائهن، لنرى أم « ماهر » راضية بالحضور الإجبارى لطليقها بحجة أنه « والد إبنها »، عمل الراقصة فى الكباريه و تحملها عنف المحيط بحجة « إطعام أطفالها »، أمّا وسيلة التى كانت رمز التمرد، فقد توقّفت عن السعي لعمل أحبته و حاربت من أجله بحجة عودة إبنها إلى أحضانها « مدام ولدى رجعلى محاجتى بشي »، ثمّ ركوع حبيبة و زحفها على ركبتيها أمام برينڨة مستجدية إياه أن لا يؤذى « إبنتهما« . و يعتمد المخرج في هذه المشاهد على الانفعالات العاطفية للمشاهد لا على الاقناع فى الطرح حيث لا تتماهى التعبيرات عن الأمومة مع ماضى الشخصيات و طباعهن بل تصهرهن جميعا فى قالب واحد طاغ: الأم، التى تفعل المستحيل لأجل أبنائها.

أتوقف عند إعادة تدوير هذه الشخصيات النمطية و طرحها بأسلوب جذاب يطرح نفسه ك« بديل » على الأقل من الناحية الجمالية،  لخطورة أن يتسرب من خلالها الماضى و قيمه الرجعية فى لحظة تنهض بها نساء تونس بأنفسهن فى تراجع واضح للنسوية الشمولية للدولة، لأجل الانعتاق من هذه السرديات الكليشيه و تقديم تعدديتهن و خياراتهن بانفتاح و إبتكار و شجاعة منقطعة النظير..

أمل خليف

98447647_10157369773242616_2059994605834731520_o (1)

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s