أرامل » مسرحية مفعمة بالاصرار على الحياة و روح المقاومة « 

 

الأرامل، أول عمل إخراج مسرحي لصاحبته المخرجة وفاء طبوبي، تحصل في ديسمبر 2017 على جائزة أفضل إخراج مسرحي بمناسبة أيام قرطاج المسرحية.
ثلاث نساء على الركح في نقطة غير معرفة من الزمكان.
ثلاث نساء عزل في مواجهة البحر، قراره، صخوره، أفقه و سلطته.
ثلاث نساء يرفعن الصوت فوق هدير البحر، ليحكين قصصهن بين موجتين، ضد النسيان.
تبدأ وفاء مشروع مسرحيتها بموقف من عمل الأرامل لصاحبه آريال دورفمان.
تقول بصوتها المتمرد الواثق :

لقد أثار هذا العمل رغبتي في أن أقص حياة النساء على لسان نساء. يجب أن تستعيد النساء سرد تاريخهن الشخصي والتعبير عن عوالمهن.

668_334_1513282163

المسرحية إذن ليست اقتباسا أو مستوحاة من مسرحية أخرى، المسرحية إعادة سرد، رؤية أخرى تراها وفاء مختلفة ومكتملة الاستقلالية و أراها عملية تصحيحية لمفاهيم سائدة و مغالطات ثقافية توقفت عند تفاصيلها وفاء، لتعيد تقديمها ببراعة حبك و جمالية صورية تكشف عن موهبة صاحبتها و تمكنها بتفاصيل الاخراج المسرحي.

كسر القصة الواحدة و رفض الاسطورة

 .حكايات لثلاث نساء، بنت و زوجة و أخت يطالبن السلطة بجثث رجالهن لاجل دفنها و إكرام الجسد والذكرى
أعمار مختلفة، مرجعيات مختلفة، شخصيات مختلفة أتقنت المخرجة رسم تفاصيلها و تموقعاتها المختلفة من السلطة، يجمعهن مطلب واحد و يلتقين على اختلافهن على عتبة الألم.
« بين قطعية فكرية ساذجة لابنة المعلم، صمود فطري لزوجة ال »الشهيد الخائن » و تأرجح عاطفي أقرب للانتهازية لاخت « الثائر الهارب
تشرح وفاء سردية الثورة؛ تنزع عنها قشرة البطولة الزائفة و تلمع حقيقة متناقضة، متصارعة، حادة التراوح، متشعبة المدى في ذاكرات
شخصية فردية ترفض أن يتم طمسها لحساب سردية اختزالية سلطوية من أي جهة

لا تكتفي المخرجة بتقديم الملحمة، بل تذهب في صراحة شجاعة إلى تحديد موقفها منها
هي التي اعتمدت المراوحة في تقديم مواقف شخصياتها، كان صوتها جليا واضحا ضد السلطة على لسان الشخصيات الثلاث
أخرجوا، أخرجوا من بلادنا، سيبلونا بلادنا..  » في استحضار قوي لروح درويش في قصيدة عابرون في كلام عابر

فاخرجوا من ارضنا
من برنا ..من بحرنا
من قمحنا ..من ملحنا ..من جرحنا
من كل شيء واخرجوا
من مفردات الذاكرة
ايها المارون بين الكلمات العابرة!..

رفعت وفاء   شعار « مانيش ساكتة » على لسان شخصياتها، لإعلاء اصوات نساء بوزيان في نضالاتهن لأجل حقوقهن الاقتصادية و الاجتماعية فاضحة هاجسها العميق: الإنتصار لشقيقاتها المغيبات من مسارح الصراع السياسى و الايديولوجي كما حدده الرجال
وكانني  بصوت الموج الهادر بين المقاطع زمجرات غاضبة لنساء نائيات يطلبن العدالة و لا تسمع أصواتهن، اختارت وفاء أن تجعل لهن أبواقا و تحملها من الدشر و الأرياف و الاحياء العميقة إلى مسارح العاصمة

مسرحية متخمة، يتقاطع فيها السياسي، الاجتماعي و الحميمي لكن تحمل في صورها شاعرية مرهفة

يبدو من الصعب في هذه الأوقات المتخمة بشعارات الرفض والضائقة بالخطابات المطلبية أن يستقبل مشاهد هذا الكم من المواقف دون أن يضيق أو يمل. وهنا  يتجلى لي إبداع المخرجة و الأداء الباهر للممثلات الثلاث اللاتي لم ينسين أن المسرح للفرجة أولا و قدمن صورا شديدة الجمال برغم الغياب الكامل للديكور. الممثلات نجحن بان يقدمن فرجة كاملة من رقص وغناء  و رسوم على الركح بطاقة رائعة و روح مفعمة الحماس و الصدق.

من خلال شخصياتها، رسمت وفاء ملامح تجربة الحياة الباطنية للنساء

نساء في حضرة الغياب و الانتظار

الانتظار تناولته الأساطير و السرديات لتحكي معيش النساء في سجن غياب الرجل المتنقل، المسافر، المغامر، الملول.. الخائن. الذي يحتفظ رغم كل شيء بحق العودة .حق تلغيه وفاء بجرة قلم أحمر، بعبارة صريحة الوضوح
 » اللي يمشي معادش يرجع »

الامومة، خارج  الصفة و الدور، مسؤلية من الحياة

اختارت المخرجة لشخصياتها دور الاخت والزوجة والبنت دون أن تقدم احداهن نفسها كام. كنا جميعهن مفعمات بالأمومة، الأمومة التي قدمتها المخرجة كقيمة تتجاوز الانجاب و الوظيفة العائلية و قرنتها بقيمة مسؤولية الرعاية.  كاني بهذا تذكر أن هذه المسؤلية ليست حكرا على النساء لكونهن منجبات، بل تشمل الرجال أيضا رغم كل محاولات التملص و الانعتاق لصالح رفاهيتهم الفردانية المتخلصة من عبء الرعاية و هاجس الآخر

تشرح وفاء إلى لسان شخصياتها موقفها  من السلطة، من النسوية و و من الصراعات مدرجة الأحتفالية  كطقس من طقوس المقاومة و الحياة كقيمة عليا. تجيب نادرة ساسي بنت الأستاذ عن السؤال: – هل تريدين الأنجاب؟؟

 نحب نجيب زوز، ثلاثة، ستة صغار ونبدى نصيح ايجا هوني، إركح من غادي..

.وهكذا  و برغم العنوان  » الأرامل » تعود المخرجة لترفع راية الأصرار و تنتصر للحياة و الأمل

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s