كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها لإيمان مرسال

 

لا اعرف ايمان مارسال هذا يجعل الكتابة عن كتابها/ عنها، امرا موضوعيا.
لنا اصدقاء مشتركون على الفايسبوك، تبدو قريبة، هذا يجعل الكتابة عن كتابها/عنها أمرا شخصيّا.
عن الأمومة و اشباحها، قرات الكتاب دفعة واحدة و أزحته، كأننى أشرب كأسا حادا من التاكيلا. أصابنى بدوخة و أنا أركض فى رأسى ألاحق شبحا، أهرب من صورة امى لصورة طفل يتكوّن فى راسى..
لعلّ الامر مجرّد لعبة مطاردة.
اكتب عن الكتاب بعد اشهر من قراءته، اكتب عن شبحه بذاكرتى، عن شبح جرح، عن انعكاس صورة المرآة بمرآة اخرى، تعكس مرايا، هي صور تلك الامهّات المكسورات.
اكتب عن ايمان مرسال، التى تنبش فى جراحها بشكل سيتستماتيكي و اكاديمى، تخرم صدرها بمشرط و قطنة معقّمة، تستنزف دماء جراحها، ثمّ تعيد تضميد الجرح بشاش. توهمنا انها ممرضة، بينما تعيد فتح جراحها اكثر فاكثر..
و تدعو بلهجة لطيفة، يمكنكم ان تفعلوا ذلك بدوركم.
فى استرسال بين البوح و البكاء و الصراخ، يتخلله تذمّر « موضوعى » و صمت.  تخبرنا ايمان عن تجربتها مع الفقد و اليتم
و الثكل و العجز و المنفى و محاولات التلملم من كلّ هذا.. و انقاذ البقيّة الباقية من السيطرة بمحاولات ل »منطقة » التجربة.. محاولات مفتوحة للاخذ و الرّد.
تسترجع صورة الام المدفونة التى يواريها التراب و حضورها الخفي فى كل صورة، و عجزها ان تتحقق فى صورة واحدة. الصورة الشبح، الأم.
تركض ايمان على اكثر من جبهة و بعد زمانى و مكانى و ثقافى و وجودى.. تركض محاولة رسم حدود هذه « الأمومة » بين مد و جزر حاد و عنيف لا ندرك مداه، بل نكتفى باقتفاء اثر ما يحدثه من خضرة او دمار.
من يلد من ؟
ربّما لو كنا مؤمنين لانقذنا الايمان من هذه الورطة الوجوديّة المخيفة
« أن تكوني أمًا يعني أن تؤمني بقوة عليا أو تكوني أنت نفسك إلهة. ليس هناك مكان وسط ». هكذا تقول ايمان.
ان لا تؤمنى، فهذا يجرّدك تماما أمام معضلة اكبر من العقل، أمام هذا الصراع المتوحش لحياة و حياة تطلب نفسها.. صراع حياتين ينتهى بفقد احداهما او انصهارها فى الاخرى… تقول إيمان لا حل سوى بالانفصال. الانفصال و الفراق و الفقد.. كلمات من طينة واحدة.
تحسم ايمان رايها من هذا الصراع » الانتصار للاكثر انانية و قدرة على كسب معركة الوجود. هي التى تفتح كلّ هذا بحديث عن العنف، و تنهيه بحديث آخر عن العنف: عنف عالم الذات و عنف العالم الخارجي. و عجز الأم عن إستيعاب كل هذا، فهمه، و التصرف حياله إن كان ممكنا أي تصرف :
« قلت له : لم لا تنام يا حبيبي ؟ قال : هناك فراشة تطير في رأسي وتمنعني من النوم !..سألته عما إذا كانت هي نفس الفراشة التي تطير في قلبه ونجعله خائفا كما أخبرنا منذ أيام ..فقال : هي فراشة أخرى أو ربما هي نفس الفراشة ولكنها تنتقل بين رأسي وقلبي ومعدتي !! »
تغطس إيمان في هذا التداعي السريع في خوفها الذاتي. تحملنا معها لتنزل بنا سريعا من سماوات الآلهة إلى قاع هشاشتنا الانسانية التي خلاصتها: العجز.
لحسن الحظ و برغم من توجّه إستحضاراتها، تستدرك بكون من الاستحالة تحييد تجربة الامومة و فصلها عن تجربة البنوة فى بنائها.
هذا يجعل الامر اكثر تعقيدا فى رأسى، لا يمكن التماهى الفكرى او الوجدانى مع تجربة لا تتشكّل إلا لحظة حدوثها، لحظة لا يوجد مساحة للتراجع الى الخلف.
هي رحلة ذهاب بلا عودة، تندفع نحوها نساء مغمضات الاعين عن سذاجة مثيرة للرثاء و العطف و نساء مشبعات بشبق انتحاريّ مثير للابتسام.
 يخيّل اليّ ان ايمان حزينة جدّا خلف هذا الكتاب، حزينة بامومة لا تعرف كيف تروّضها و تسابق بها حواجز الحياة من تعب و مرض و قلّة حيلة.
حزينة بامومة نازفة، مشرّحة، تستميت فى استئصال زوائدها فى محاولة لاستعادة خفة مستحيلة.
تدفعنى ايمان لاسائل تلك الرغبة بطفل، هل هي الامومة؟ ام مطاردة لصورة عن صورة امىّ، ام قتل لها، ام انتحار ؟
ام حقّا شهوة عميقة بالحياة، الاتصال بها و لو كان الموت ثمنا لها.
الى اي مدى يمكن لامراة ان تسير واثقة فى رحلة الامومة ؟
اي جرح تخلّفه باكتمالها او انقطاعها ؟
كيف يلتئم هذا الجرح ؟
اي جنون مضحك و شجاع ان نحاول منطقة كلّ هذا.. !
34311613.jpgكم هي مؤنسة الكتابة، للخروج من قوقعة الخوف و العجز و الغبن… و كسر جدران الحقائق الصمّاء.
أمل كلودال
Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s