على قدر وجعك تتّسع الأرض

 

 

من القائل أن لا أقسى من سجن بلا جدران؟

كنت سأكون قائلتها قبل ادونيس بلا منازع لو اخطأ القدر في بعثي إلى زمان اسبق من هذا بكثير أو ربّما أصاب. اليوم و بما أن القدر زجّ بي هنا (هي رغبة كبير السلالة دون شك) لا ضرر في أن أعيد قولها مادمت وحدي أمام هذه الشاشة الصغيرة دون أدنى استشعار لمراقبة السلطة. ربّما هي تدسّ لي في كلّ زوايا البيت مسجّلات للصوت و كاميرا مراقبة بوليسيّة للإيقاع بي في بؤرة الانقلاب على عادات الأسرة و قواعدها الصارمة  لكن المهم أني لا أحس بذلك الآن على الأقل.

هي لحظة صادقة بين الروح و الجسد. مبارزة فكريّة و عاطفية تقوم على نقد ذاتي و جزئيّ لمكوناتي الحيويّة دون مساس بماهيّتي أو تدنيس لما به أصبحت إنسانا خلافا لما كنته في الجنّة. هذه اللحظة الصادقة تعرّي ما سعيت لإخفائه أمدا من ارتجاجات عقلي و توعّكاته العميقة. فليكن عريا فاضحا إلى ابعد الحدود..عريا حدّ النخاع.. عريا ينحو بي من السلبية إلى الايجابية حسب نظريّة برمينيديس حول الأضداد. السلبي الذي جعلني أتبنى تبنيا أعمى الأنا الأعلى لهذا العالم الهشّ و الايجابي الذي حرّرني منه إلى تفكير روحي جليّ و تأملات وجوديّة ملخّصة لإرادتي و محبوكة بروايات فلسفيّة رجوت تطبيقها على ارض صلبة.

عرفت مذ نعومة أظافري أنّ لي سجنا و قد بدا لي الأمر في البداية مسلّيا إلا انه بات مرعبا حدّ الدوار. سجني الأول كان هذا العضو الغريب الذي تصر أمي على تغطيته حتّى أمام والدي و تنهرني إذا ما سعيت إلى لمسه أو اكتشاف ما وراء هذا الشيء من أسرار و خفايا تجعله محطّ خوف الانكشاف أمام نور الله. و مع مرور الوقت تمطط القماش الذي يستر شيئي ليسيح على السرة و الردفين و النهدين..

لم أتساءل حينها لم عليّ أن اخفي هذا الجمال؟ او بالأحرى ما يبدو لي جميلا؟

كنت أراه شكلا هندسيا متوازن الأركان و مختلف الخطوط في انسيابية اللحن العميق. انحدار الرقبة الموصل لتكور النهدين.. شكل الكمنجة حدود الكليتين.. اكتناز الأرداف و تناسقهما مع ضرف الزاوية المظلّلة. كلّ تلك المثلثات و الدوائر كانت سببا لأشعر بتميّزي و طرافتي أمام الجنس المقابل لرهافتي. لكني نسيت وقتها أن تلك الأشكال الهندسيّة كانت خطوطا مغلقة و محكمة تضيّق حركتي و أفعالي و تضيق أكثر فأكثر لتحرمني من رؤيتها حتّى. أن لا تخرجي دون أن تغطي مفاتن جسدك كي لا يتحرش بك الرجال, أن لا تتجاوزي الساعة الثامنة كي لا يتحرش بك الرجال, أن لا تتبختري في مشيتك كي لا يتحرش بك الرجال.. هكذا أمسى جسدي كعنوان لوجودي الأنثوي تصدير إرسالي إلى سجن أولي برتبة إيقاف مع التحفظ. سجن لا يحتمل ثقله و لا تحتمل خفّته. إذ لا فرق بينهما حين ينبثق بينهما خيط رفيع ما إن يتمزّق حتّى يصير الجسد ركاما خانقا.

نفس الخيط الرفيع كان يربط جسدي بالروح.

تلك الروح التي بعثت مع أول تلاق لبويضة أمي بحيوان أبي المنويّ كانت عزاءهما لأصير قدّيسة الرحمة في الأسرة. كبرت و في الظلمة تجاوزت نصف العمر لكن روحي ظلت متشبثة بشرنقتها خائفة من الولوج في هذا العالم الرتيب الذي سيقضي دون شكّ على مغامراتها المؤجلة. لم أصر قدّيسة و لم اعرف الرحمة إلا بين اسطر الكتاب الكريم في حين ظلت روحي معلقة على غصن إحدى الشجيرات الباسقة بالحكايات.

كثيرا ما استهوتها الحكايا كرحلات السندباد و هيام شهريار و انجازات غيلان و أحداث قصر الشوق و تجليات الأرواح المتمرّدة و قصائد الحب العشرين لنير ودا و مغامرات بوكوفسكي و المسيرة الكبرى لكون ديرا و البحث عن الله في الخيمياء. استهوتها لدرجة أنها حاولت ان تجرب بعضا منها ولم تفلح. كانت جلّ تجاربها تنحو بها إلى السجن الأول:الجسد.. فتغرق الروح في عوالمها المتوحدة و تنسى كأنها لم تكن. لم يكن خطأها أنهم لم يكتشفوها كان عيبهم أن بصيرتهم العمياء لم توفّق إلى التمحيص و التدقيق فيها. لم يكن خطأهم أن بصيرتهم عمياء لا ترى بل كان خطأها حين لم تدع نفسها تنهمر عليهم كالسيل الجارف لتعلّمهم الرحمة التي ملئت قلب صاحبتها بعد أن ملئت اسطر الكتاب الكريم.

« عيبك انّك صلبة حدّ الهشاشة »

تلك الروح تشرذمت مع أول صفعة تلقّتها من العالم الخارجي.

تلك الروح ناحت حتّى شحب لونها و اندثر شعاعها.

هذه الروح أمست سجنا آخر.

 

أيها العالم لم تعتصر جسدي و تخنق روحي المهترئة؟

لم تجرّني كدقائقك الستين في دورة واحدة نحو اتجاه واحد يوصلني إلى نقطة البداية؟

لم كل هذا الدوار الذي يعبق برائحة الموت المشتهاة؟

أيها العالم الذي اغتصب براءتي و عنّف أنوثتي و سخر من أنات هذه الروح الجريحة.. لم تصرّ على تشذيب أغصاني و حرق جناحيّ الذين أهبتهما طويلا للتحليق في سمائك؟

ياعادات الأسلاف القدامى و أفكار الأجداد و عيون الحساد و الفضوليين و كلمات المقرّبين البعيدين و سخافات الأصدقاء الغائبين و كذبات العشاق الوهميين و تأوهات المشردين المتخفين عن الأنظار و أشعار المغمورين بخيالهم و مصالح المنعزلين عن الشارع و نوايا المكروهين المحبوبين الفقراء الأغنياء التافهين الرائعين العظماء الأحياء المقبورين المجبولين على الفضيلة المختارين لأشنع الأفعال..كيف تحولتم إلى سجن يدعو إلى الغثيان لرداءة نوعكم و تعفّن حروفكم؟

أيها العالم.. كفّ عن التحديق فيّ بعينين ذئباويتين.. فمازالت فيّ نفحة من حمل و قلب لبؤة لأجابهك بما تبقّى من بعضي.

أيها الوجع المتجذّر في العروق.. ستغرق بك الأرض يوما و ستنبت بفضل عطائك وردة باسمي.

***

يرجع بي الزمن في لحظات الصدق و التي اعتبرها نادرة جدّا في حياتي القصيرة او بالأحرى السريعة.

أنا لم أكن صادقة مع نفسي كفاية حتّى استطيع فهمها. كنت ارمي شكواي دائما على من حولي و اعتقد بكل جهد أنهم المخطئون دائما. فماذا لو قلبنا الأدوار لمرّة واحدة؟

في السنتين الأخيرين من عمري الضئيل أي ما بعد مرحلة المراهقة وقبل مرحلة النضوج كانت خياراتي الحياتية خاطئة تماما.. مرّة كبصلة خضراء.. متكلّسة كقلبي المعلّق في سقف الغرفة.

بين الثمانية عشر و العشرين قرارات وحشيّة جدّا خربشت جسدي الطفوليّ و انقضّت على شفاهي تلتهمها إلى أن أغنتني عن الكلام او.. التفكير فيه. وقرارات بغيضة أيضا هدّمت صرح براءتي و أثثت على وجهي قناعا بشعا.

أنا منافقة جدّا فانا أتبجّح أمام الناس بطهارتي المقدّسة و لكني في واقع الأمر متعفّنة من الداخل حتّى أني اشتم رائحتي الكريهة عند دخولي إلى الفراش فأضم فخذيّ إلى بعضهما البعض و أدس وجهي بين ركبتيّ و انغمس في لعقهما علّني افلح في طرد الرذيلة المميتة عنهما.

الرائحة تنتشر في الغرفة الضيّقة. تنطرد من تحت الغطاء و تهيج على الجدران  متسربة إلى ما بين فواصل الأثاث و زوايا الكتب المرصفة على المكتب. أسرع مائجة إلى الباب أوصده و ارتمي فوقه باكية محاولة بكلتا يديّ درء الرائحة عن تجاوزه.

الرائحة الفضيحة التي ستساوم بها رقبتي. الرائحة التي صنعتها لنفسي ك »غرينوي » بطل رواية العطر لكني صنعتها بعشوائية اختياراتي و رداءة مواقفي لا بكميات معينة من روح البنفسج آو بصيلات العنبر.

ما المبدأ؟ أظنني لم أضعه في أولوياتي مسبقا و الأغلب اني كنت أغيره دائما. عزوفي عن الذوبان في مبدأ حياتيّ منظّم لأفعالي جعلني دون شكّ امرأة هشّة جدا تسعى دوما لإرضاء رغباتها و تندم في ما بعد بنفس السرعة التي تقام عليها النشوة الجنسية.

أنا ضعيفة جدّا و لم أكن يوما امرأة قويّة كما ادّعي أمام الجميع. كنت أوهم نفسي بداية باني صلبة كحجر الصّوان و مع تراكم أخطائي و هفواتي صار قلبي صوانة تتفتت في جسدي ببطء مما يجعلني لا أبهت في موتي بفشل كلويّ.

السنتان الأخيرتان كانتا في الواقع فجوة عميقة في حياتي. صادفت فيها أصدقاء و اعداء كثيرين .. شعراء و أدباء و متملّقين .. رجالا و نساء و أولادا و حكايا و روايات طويلة.. في الأخير لم يبق من كلّ هذا شيء و السبب معلوم مسبقا. تلك الفجوة سقطت فيها كلّ البراءة و كلّ الرصانة و كلّ المبدأ.

أظن أنني سابكي. سأعود إذن في لحظة صدق أخرى.

آلاء بوعفيف

الصورة : لوحة للفنّانة تغريد البقشي

Advertisements

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s