صوت المطر

أنا لا أسمع جيّدا، هذا ما قاله الطبيب، و رجح الأمر كمن يأرجح شعره للاحتمالات، قد يكون ذلك بسبب وقعة او عثرة أو صراخ ارتطام حاد، هناك صدى في رأسك 

كيف ذلك ؟ 

يبتسم بشعره الأبيض و عينيه الجاحظتين 

يا بنية … صاحب الأنف الطويل يعيش في رأسك، و ثمة فئران و الجداول جفت كثيرا . انتبهي للمطر و احذري الجفاف…

لكنك مخطئ يا دكتور، أنا أسمع بطلاقة الخيل الأصيلة في امتطاء الأميال الضوئية، و مجارتها للريح، أنا أيضا أقف على الطلال و أجاري مزاجتي في تقصي التجديد، و ان تعبت من طول جديلتي نفخت فيها كمزمار سحري و نمت كقطة على بساط علي بابا و المارد ينشد ما تيسر له من أفعال الغناء الساكنة. 

أنا لا أسمع جيّدا، هذا ما قاله أبي، ثم صمت لبرهة، و قال محاولا ترميم الحديقة التي تلوح جرحا و هي الصداع الذي به تتماسك عمادات الرأس، الأعتك أفضل حالا من مبتور الذراع، و الأعرج من مبتور الساق، و مبتور الساق أفضل من المشلول، و الحاجة لنظارة خير من الحاجة إلى عصا استدراج الطرقات، و الحاجة لعكاز خير من كرسي مدولب، لا تجزعي و لا تهلعي بنيتي، ستسمعينني دوما، لأن صوتي و إن كان همسا فهو صوت الحقيقة التي لا تخطئها أذن و لا يردعها صمم، ثم كبرت يا أبي و صرت أسمعك بوضوح لأنك دائم الصراخ، كنت أريد عصا و كرسيا مدولبا لأتشرب سكوني كما خلقت، لكنني كنت تشوها و أدركتني الموسيقى و آهات شوبان و بكاء بيتهوفن و أنتم لا تعلمون وجع أن تكون رماديا، مولودا للحياد، الفهرس في كتاب سيء عن أنواع الخشب أو تعدادا للعقد في أقمصة الصوف.

أنا لا أسمع جيّدا ، هذا ما قالته أمي، و هي تتلو أوراق البقدنوس، و تصغي لحد السكين يقطعها و هي وريقات نظرة و صغيرة، كسنبلة غفل عنها المنجل، و المنجل يا أمي صوتك يأتي و يتردد لأنك تقولين ما ترفضينه و تمقتين أن يكون وليد رحمك اسقاطا تالفا لماض مشوه عشته و تعفنت فيه كقطعة خبز على المنضدة، أو عيني قط في الليل الدامس، ثم ترحلين لتجديل صمتك كأنك تعتذرين عن صخب ولادتي، و حجم رأسي و صهيل أحلامي المبتورة كساق عصفور أو جناح شجرة. أنا لا أحملك ذنب ما جرى، كان رحمك دافئا، و هناك تركت صوتا يخزك لأن الطعام كان سيئا و أعتذر عن ذلك. عليك أن تتوقفي عن التهام الطباشير، لقد رسمت أشياء كثيرة على جدرانك الداخلية و كتبت بعض النوتات و كلاما بذيئا …

أنا لا أسمع جيّدا، هذا ما قلته ، و أنا بغباء أبرر تيهي و لامبالاتي لنفسي، حتما، توازن الفكرة يبدأ بسماعها، كيف أكيل المنطق و أنا ثرثرة مغمغمة كفاه مكمم بابتسامات العابرين البلهاء؟ كيف أحط و أنا المواء الذي يسكن الداموس؟ كيف أعرف حدود وجهي إن كان صوت المطر مطمورا في حدود الجفاف ؟ كيف ؟ 

أنا أسمع جيّدا، و هذا كل ما في الأمر.

وعد كرونة

Advertisements

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s