توبة متحرّش

كلما قرأت شهادة لضحية تحرش جنسي إلا وتقاذفتني مشاعر غاية في التناقض. مشاعر تتراوح بين الغبطة للتي تخلصت من هذا الحمل الذي يثقل قلبها ويحتجز عقلها رهينة،  وخجل من ماضي مظلم لم أنجح رغم كل ما فعلت في تجاوزه.

هو خجل من فترة مرّت علي وأنا أنكر وجود التحرش الجنسي في تونس وأتهم النساء بالمبالغة في لعب دور الضحية. هو خجل مضاعف لأن الإنكار كان لدي أسلوبا أواري به خجلي المضاعف من أني كنت يوما متحرشا وتسببت لنساء عديدات في أوجاع لا أعلم إن تمكنّ يوما من تجاوزها.

لكني قبل أن أصل مرحلة الخجل والخجل المضاعف تلك مررت بمرحلة مخزية أكثر وهي التي كنت أحسّ خلالها بأني، ما كنت أمارس سوى حقّ منحني إياه المجتمع مكافأةً لي على ذكورتي، التي وجب عليها تشريفها وإثبات جدارتي بها بأن أمارسها كل يوم بتفاني أعظم.

قد يتبادر إلى ذهن البعض بأن التحرش قضية تعني الكهول أولا. أرغب في هذا المستوى أن أدحض هذا الزعم الأخرق بكل ما أوتيت من قوة. لقد تحول كاتب هذه الأسطر إلى متحرش رسميا عندما بلغ سن الثانية عشر وربما قبل ذلك.

إلى كل من يعتقد أن التحرش الجنسي قضية « الفقراء » « الجهلة » الذين تعاني عائلاتهم التفكك والتي يفتقد فيها الأطفال إلى التأطير الأخلاقي اللازم، أقول، أني ترعرعت في عائلة من الطبقات الوسطى، تجلّ المعرفة والثقافة. عائلة محافظة جدا، أصيلة الجنوب التونسي، يفتخر سليلوها دوما برفعتهم الأخلاقية وبالصرامة (المرضيّة أحيانا) التي يربّون بها أبنائهم. وقد كانت هذه التربية تدفعني إلى نبذ الاعتداء على أي شخص ورفض الظلم والتمسّك بنصرة المظلوم. لكن الاعتداء على النساء لم يكن ظلما على ما يبدو في ذهني حينها…

أتذكّر جيدا أول مرة قمت فيها بالتحرش جنسيا. حصل ذلك ذات ربيع من سنة 1997. كنت أبلغ زهاء الـ 12 سنة يومها وقد غلبني الشوق لأخذ الحافلة رقم 59 والتوجه ل »تونس » (وسط العاصمة) رفقة أبناء الحي بعد الفطور. كنا عشرة شبان. كنت أصغرهم وكان أكبرنا يبلغ 17 سنة وهو إبن أحد الصاغة الأثرياء بالبركة. صعدنا في الحافلة ولم نقتطع تذاكرنا كالعادة لأن ذلك هو العادي هو ما يقوم به كل أبناء حينا الأكبر سنا. كنت ممسكا أحد أعمدة الحافلة التي بلغ تأرجحها حد أوقعني أرضا مرتين. وقف أكبر أترابي إلى جانبي، غمزني فجأة واقترب من فتاة في أوائل العشرينات بشدة دون أن يلامسها. امتلأ فمه بابتسامة لم أفقه معناها إلا بعد أن أصبحت خبير متحرشا في أواخر السنة. بعد أن تعودت الفتاة على وجوده خلفها اقترب « صديقي » منها والتصق « قضيبه » بها في غفلة منها لكنه سرعان ما ابتعد. لم تبدي الفتاة أي حراك فعاود هو الكرّة ولكنه مكث ملتصقا بها لبرهة أطول هذه المرّة. ظهر على الفتاة انزعاج وتأفف غيّرت بعده مكانها قليلا. تحوّل صديقي من ذاك المكان لأن الفتاة قد اختارت موقعا صعبا هذه المرة فتوجه إلى سيدة كانت ملتصقة بمكان « الخلّاص ».  كانت السيدة في أواخر عقدها الخامس وقد دفعها امتلاء الحافلة إلى أن تمدّ يدها بعيدا عن جسدها في انحناءة لم توفر لها قدرا كبيرا من التوازن. وقف صديقي الذي كان يلامس قضيبة خفية قرب السيدة ووضع نفسه في موقع يجعل من قضيبه مواجها تماما مؤخرتها عند تأرجح الحافلة. كانت السيدة بدينة لدرجة أنها لم تتفطن على ما أضن أصلا إلى وجوده. وبقي هو يلاصقها طيلة الطريق في نشوة بارزة على محيّاه. وقبل بلوغنا محطة « برشلونة » وعلى مستوى باب عليوة جذبني نحوه وألصقني في السيدة وسط ذهولي. لم ينتبني إحقاقا للحق أي إحساس جنسي إلا أني كنت منشيا بما كنت أفعل ولم أفهم سبب ذلك.

يومها تجولنا في شوارع العاصمة وأزقتها وقد قمنا بملامسة فتيات في غفلة منهن. وقد تعلّمت يومها كيف ألامس النساء في الزحمة دون أن يتأثر اتجاه نظري، وكأني بيدي التي تعتدي على هؤلاء النساء لم تعد جزءا من جسدي. كنت مغتبطا بهذه التجربة الجديدة التي أحسست بعدها أني قد صرت أخيرا رجلا !

كررنا فعلنا هذا عديد المرات وقد دام ذلك لمدة سنتين تقريبا قل وندر خلالها أن واجهنا أي توبيخ على ما كنا نفعل. بقيت مقتنعا طيلة هذه المدة أن الفتيات اللواتي كن يظهرن رفضا لما كنا نفعله لم يفعلن ذلك إلا بدافع التمنّع ولأنهن كن يريننا صغارا وأننا لو كنا اكبر ببعض السنوات لواجهننا بالقبول والرضا على ما فعلناه. وقد صارت تلك الابتسامة السامة التي رأيتها على وجه صديقي ذات يوم جزءا من تعابير وجهي المعتادة.

بعد انتهاء هاتين السنتين تركت هذا الحي وانتقلت إلى منزل جديد في ضاحية بعيدة أفقدتني صلاتي وصداقاتي ورغم أني نجحت سريعا في نسج علاقات قوية في مكان سكني الجديد إلا أني لم أجرأ بسبب طبعي الخجول جدا (نعم كنت خجولا حقا رغم أني كنت متحرشا !) على أن أقترح عليهم أن نفعل نفس الشيء. وقد افتقدت « غزواتنا » طيلة هذه المدة. لكن ذلك لم يمنعني من مواصلتهن بمفردي كلما توفرت الفرصة.

إلى أن أتى يوم كنت فيه رفقة إحدى زميلاتي في المعهد والتي كانت تجمعني بها علاقة صداقة قوية جدا، جالسا خارج المعهد بعد أن رفضت القيّمة المعنية بتسليم بطاقات الدخول تمكيننا من ذلك لأن غيابنا حسب رأيها كان غير مبرر. وكنت قد شارفت حينها على الـ 16. دار بيننا حديث حول عموميات الحياة والدراسة والعائلة وإذ بها بنبرة صوتها تتغير فجأة وانطلقت تحدثني عن أستاذ الرياضة الذي تحرّش بها جنسيا. صعقت بما سمعت وأحسست بأني في كابوس ولم أكن فعلا استمع لكلامها. حاولت الترفيع من معنوياتها دون نجاح على ما أضن. كانت تبكي بحرقة وقد آلمني ذلك بشدة لكني عجزت عن إدانة الأستاذ لأني تذكرت ما كنت أقوم به. لم تسعفني الدنيا حينها سوى بدموع انهمرت دون أن أتمكن من كبحها. لم أنبس ببنت شفة طيلة دقائق طويلات مررن كدهر. ماذا كنت لأقول لها؟ أن الأستاذ معتدي وبأنه يجب أن يحاسب؟ أني كنت أقوم بأكثر مما يقوم به هذا الأستاذ وأنها كانت يمكن أن تكون أحد ضحاياي لو توفرت لي الفرصة لذلك؟

وجدت صعوبة في إدانة نفسي حينها لكن حبي الكبير لها وإحساسي بألمها قهرني. منذ ذلك اليوم (وقد كنت أعيش فترة تغيّر فكري كبير منذ مدّة) حاولت تدريجيا التخلي عن سلوكي ذاك ولكن الأمر كان على غاية الصعوبة وليس بالسهولة التي تصورتها.

تطور الأمر بي من النظر للاعتداء على النساء كحق لي، إلى لومهن حين يلبسن لباسا « فاضحا » أو حين يضعن أنفسهن في « وضعيات غير أخلاقية » أولا. تمكنت بعد هذا من الخروج تدريجيا من هذا النفق المظلم وقد تطلب مني الأمر سنوات حتى أتخلص نهائيا من تبعات هذا الداء الذي أصابني.

يعتقد كثيرون أن التحرش مرتبط أساسا بالكبت الجنسي. لا أنفي هذا الارتباط لكني أجزم أنه ليس المحدد. كثيرون هم الذين يستطيعون إشباع رغباتهم الجنسية دون إشكال كبير لكنهم لازالوا إلى غاية اليوم متحرشين، بل أن تحرّشهم قد زاد وتضاعف.

أرى أن التحرش مرتبط بوضعية دونية للنساء وبنظرة محتقرة لهن أولا وقبل كل شيء. هي نظرة تعالي ترى في النساء لا بضاعة جنسية بل مجرد بضاعة والسلام ! أي أني بإمكاني أن اعتدي عليها لأنها أقل مني قيمة وقد يكون الاعتداء جنسيا، ماديا أو لفضيا، حسب حاجتي، لكن الثابت هو حقي في أن أعتدي عليها. وعندما يحصل ذلك، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه دائما والذي لا يتأخر عن طرحه إعلامنا وسياسيون وجل من يقطنون هذا البلد: ماذا فعلت هي حتى يضطر هو للاعتداء عليها هكذا؟

 إن التحرّش بالنساء (في تونس التي أعرفها على الأقل) مؤسسة تعمل بتكامل ويصبح فيها الذكر متحرشا انطلاقا من سنوات طفولته وبغض النظر عن وضعيته السوسيو-ثقافية. وما يجب أن نقوم به، هو مواجهتها بوصفها مؤسسة لا مجرد آفة اجتماعية تصيب بعض الحالات الاستثنائية في المجتمع.

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s