فقد حانَ وقتُ المُحاكمة

بقلم عفراء بن عزة
هيّا فقد حانَ وقتُ المُحاكمة، فَتحَت المَحكمةُ أبوابَها، فَتحَت الزّنازينُ أبوابَها، نُصِبَت المَشانِقُ ووقف المَدعوّونَ جنباً الى جنبٍ في انتظار حُكمِ القاضي، فحدثت المفاجأة و طُبّقَ القانون على أكملِ وجه.
غَسَّلوني، ألبَسوني كَفناً لتقديمي كقُربانٍ للرّب، كقُربانٍ لِما يُسمّى بالشّرف.. نَاولُوه مفتاح الزّنزانة زمام الاستعباد و سوط الأدب..
أنا السّجينةُ وأخي الحارس، أنا حاملةُ القيدِ العظيمِ، قيدُ الشّرف. وهو الحارِسُ لإرثِه، وَرِثَ هذا العملَ الاستبدادي عن أبٍ شديد التمسّكِ بتقاليد تُحكِمُ غلقَ الأبوابِ على تاء التّأنيثِ منذُ عتَبةِ الطّفولة وتحكم بِسجنِها مَدى الحياة بين الجُدران إلى أن يتمّ نقلها إلى السجنِ الآخر « بيت زوجها »، فالمَرأة لا تغادرُ بيتَ والدها إلّا للذهابِ لبيتِ زوجها، هُم يتشبّثون بهاتِه التّقاليد لأنّها تُرضي ميولهم السّاديّة وتُلائِمُ طَبع الاستعباد عندهم.
السّجنُ هُنا لا يَفرق كثيراً على معنى السّجنِ المُتداول، جريمةٌ قانونٌ محاكمةٌ قيودٌ ثمّ قضبانٌ وزنزانة.
السّجن هُو تِلك القُيود اللّامرئيّة الّتي تَمنعُنك من الحركة، التّفكير، التّحليق، القيودُ الّتي تَسلبك ذاتك ووجدانك، تغتالُ إبداعك.
القُضبانُ هُنا هي ألمُ الانكسار والرّضى بالدمع، الجُرح، الذُلّ ثم الإيمان بِها كفضيلةٍ عُظمى.
كبرتُ، يوماً بعد يومٍ أيقنتُ أنّ أُمّي مُصابة بما يُسمّى بِمُتلازمة ستوكهولم وأنّ أهمّ أهدافها في الحياة أن تنقُل العَدوى لبَناتِها، أيقنتُ أنّ حِرمانيَ من الخروجِ ومُراقبة خصوصيّاتي ليسَ خوفاً عليّ بل خوفا على سمعتهم من كلام النّاس.
في يَومٍ ما زادَت بي جرعة الذُلّ فانتفض الشيطانُ داخلي رافضاً السُّجود مُجدّداً، راحَ يُضرِمُ النّار في كل حُجّةٍ تُقنعني بالخنوع.
هَل سأنسى ذاكَ الموت التدريجيّ الّذي كانَ يَقتُلني بِمرارةٍ كلّ يَوم؟
مِن أجلِ ماذا؟ لأجلِ مَن؟ لأجلِ النّاس وإرثِ العادة « الشّرف »؟..
توقّفت للحظاتٍ أتأمّلُ ذُلّي في صمتٍ مُتسائِلة هل أنسحبُ من السّاحة ضعيفةً مهزومة؟
أَم أُكمِلُ ما بَدَأت؟
إن انسحبتُ سأرتكبُ ذَنباً كبيراً وجريمةً سوداء في حقيّ وفي حقوقِ تلك السّجيناتُ اللواتي أحرّضهنَ على التمرّد.
– لكن النّاس؟ العائلة؟ الشّرف؟ لَن يَرحم النّاس عاهرةً تجرّأت على عائِلتِها، سينبُذك الجّميع يا فتاة، مَن سيقبل بفتاةٍ جلبت العار لعائلتها؟ لوّثت اسم عائلتها؟
– وأين الأنا مِن كُلّ هذا؟ من رخّصَ لهم ليُلبِسُوني قَيد الشّرف المُقدّس؟
وإن أرضيتُ النّاس و مضيوا لي على صكّ العفّة فهل سأُرضي نَفسي؟ هل سأستطيع النّوم و جَسدي مُورّم من قِبَلِ جلّاد سلّمته السوط بنفسي؟ هل لي أعين لأواجه ذاتي بالمرآة؟ لَم يجلب لي الخضوع غير الذلّ، النّكد، الهم، الضعف، وذل فذل ثم ذل..
أعلمُ أنّك للحُرّيةِ جائعة..
اصمدي، لا تهتميّ لطبولِ الهَزيمة الخادعة..
اصرخي في وجه كُلّ مُستسلمةٍ خانعة..
مشاعرك مقيّدة..
جنّتك المَزعومة من طُوبِ الظّلم مُشيّدة..
يُحاولون تبرير الإهانة فلا تنخدعي بلغة التّكريم
ثُوري على ثقافة الحريم
ثُوري، زَمجري و اغضبي ..
تمرّدي اصرخي و خرّبي..
تقدّمي، من صَوت سِياطهم لا ترتعبي..
كوني أنت شرارة الثّورة لا تنسحبي..
انتفضي ، تمرّدي على قوانين سجنتك من عصور..
احرقي مَقصورة الحَريم في القصور..
تمرّدي على ظُلّامك..
و سُجّانك..
ثُوري على ربٍّ أهانَك..
ثُوري على رسولٍ صنّفكِ عَورة..
 اصرخي في وجه عبيده وأعلني الثّورة
ثُوري على كل من تجرّأ ولَمَسَ كَيانك..
ثُوري على شَريعةٍ سَلبَتكِ حقّك..
تَمرّدي أرهِم معنى الصّمود ..
تمرّدي فبدونكِ لما كانَ الوجود..
تمرّدي أرهِم عظيم كيدك..
تمرّدي فلن تخسري إلّا قيدك.

 

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s