… كرواسون للجائعين

هي ليست مزحة، وليست اقتباسا من مقولة ماري أنطوانيت ملكة فرنسا الشهيرة « إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء.. دعهم يأكلون كعكاً ».. بل هي حقيقة، انا صاحبتها، وبعد ان قمت بها استنتجت لها ابعادا جديدة

منذ أيام قليلة، في طريقي الصباحي إلى العمل تصحبني جوقتي النسائية المعتادة، مررنا على بائع مرطبات وأخذنا قطع « كرواسان » وسرنا الهوينا نقلب أعيننا بحثا عن « تاكسي »، مررنا بجانب رجل يجلس القرفصاء وأمامه آلة ميزان التي تبدو مورد رزقه الوحيد، وبوجه متلبد وبنظرة جائعة رمقنا، ولأكن أدق، رمق الكرواسون الذي نحمله وقد انطلقت إحدانا في أكله.. النظرة لم أرها بوضوح، لكنها أصابت رفيقتي في الكرواسان فنبهتني بعد أن تجاوزنا الرجل، فعدنا إليه وأعطيناه قطعة دون أن ننبس أو ينبس هو ببنت شفة

ولأكن صادقة، سخرت من نفسي للحظات. جائع أعطيه كرواسان؟ يا لي من « مُتبرجزة » صغيرة أمارس ما طاب لي من أفعال المتيسرين العطوفين أصحاب القلوب الرحيمة.. ثم استدركت، لقد أراد فعلا الكورواسون، ولم يمانع أبدا في أخذه، بل لربما قد سعِد به في داخله دون أن يُظهر لنا غبطته. انتهت القصة هنا، لكن تفكيري لم يتوقف عندها، لم أعرف كيف ربطت هذه القصة الواقعية بقصص أكثر واقعية صرت أتعايش معها يوميا، وجدت خيطا رفيعا قادني من الجوع البيولوجي المعتاد إلى الجوع الجنسي في وطننا العزيز. أي رابط بينهما؟ إليكم الاجابة:

كنت أفكر في سُخف أن نقدم لجائع محروم من أبسط مقومات العيش، إحدى رموز الرفاهية الغذائية المتعارف عليها، فلطالما سخرنا من آكلي الكرواسان كرمز للبذخ لسعره المرتفع مقارنة بحجمه وقيمته الغذائية. ثم قفزت إلى ذهني فكرة سُخف أن نطلب « الحب » وما يصحبه من رفاهية عقلية ونفسية، من مجتمع جائع جنسيا. لا أدري نقاط الشبه أو صحة الفكرة، لكنها تخمّرت عندي وتعاظمت بسرعة. فعلا، ألسنا مجتمعا جائعا للجنس والمتعة رجالا ونساء؟ أليست الفكرة الأكثر سيطرة على تابوهاتنا وخيالاتنا واشكالياتنا وخوفنا وطمعنا وحساباتنا؟ وجب أن أستحضر دعابة صديقة صدوقة لا طالما صارت ترددها: « أريد أن أتزوج !  أريد أن يتم نكاحي !  أريد قضيبا ذكريا بربطة عنق يجلس في جانبي على المنصة ! »

ها أني قدمت مثالا مؤنثا حتى لا أكرر القول بأن الجوع الجنسي مقتصر على الذكور عندنا (على اعتبار جوعهم وقرمهم لا جدال فيه)، لكني بدوري وجب أن أنوه: لست بهذه الدعابة أعني أن هذا الجوع يعانيه فقط غير المتزوجين خاصة من الإناث اللاتي يطالبهن مجتمعنا البدائي بشهادة عدم الاستعمال (غشاء البكارة سيئ الذكر). إذ أن المتزوجين وحسب تجاربي الشخصية البحتة أكثر نهما وجوعا وغبنا جنسيا… والسبب، حسب تحليلي المتواضع، تعاسة جنسية على فراش الزوجية، وتراكمات ذكورية مفادها أن الزوجة ليست للجنس بل للإنجاب والتربية وتقديم الخدمات المنزلية وحتى المادية.. هي بعبارة أخرى موظفة محدودة المهام. قد تتهموني بالتهجم على مؤسسة الزواج العظيمة عندنا أو بالتجني على رجال بلادي وشبانها، لكني أؤكد أني أحبكم حبا جما (لا خيارات أمامي) وأني لا أكن عداوة للرجل التونسي بقدر ما أكن احتقارا لمنظومة مجتمعية قبلية أبوية كاملة مترسّخة فينا، لم يمحها بورقيبة (أب التونسيين ! ) ولا البورقيبيون (اليتامى) ولا المثقفون (الثقافة نفسها أنواع سيدي خويا) ولا النسويات (نسويات مع الذكور، ذكوريّات مع الإناث) ولا المفكرون (حاملو الأفكار الجميلة والأفعال الشنيعة) ولا المصلحون (المصلحون للعذرية في أغلب الحالات).. لست أتحامل صدقوني، أتحدث فقط من المُعاش اليومي الذي أظن كثيرات مثلي يعشنه، لسنا مجتمعا سيئا جدا في النهاية، لكنه مجتمع منافق، وأناني، ورجعيّ جدا. ما أجمل صورته الخارجية: شوارع ومقاهي مختلطة، فنون منتشرة، نقاشات « بناءة » جدا، حانات راقية (لـبنات العائلات اللاتي يليق بهن الخمر) وأخرى رخيصة (للرخيصات) رجال « جانتلمان » (إلى أن يُضاجعوا) وأمن مستتب (بعد منتصف الليل قد تصبحين في خدمة الأمن) .. مجتمعنا جميل فعلا، يبهر كل زائر وعابر، ويحسدنا الكثيرون، وهم يعلمون أو قد لا يعلمون

لست أدعو إلى ثورة هنا، فتاريخنا مع الثورات غير مشرف، أريد فقط قليلا من الصراحة. كم أحترم رجلا لا ينمق كلمات الحب والوله ولا يحفظ أبيات درويش (وما أدراك ما درويش) فقط ليقود بها أول أنثى (ثقب) إلى فراشه. كما أحترم امرأة تريد أن تتزوج لأنها أجبن من تواجه « الأب » الكامن فيها والمسلط عليها وتريد جنسا علنيا « حلالا ». كم أتفهم فتاة تلتجئ إلى « الرتق » والترميم لأنها تعرف جيدا أنه لن يسامحها. كم أستوعب ذكرا يشترط عذراء للزواج بعد أن ذاق طعم العذراوات والثيبات يمينا وشمالا.. كم أحترم متزوجا يصارحك بلا مواربة أو تنميق بأنه يريدك عشيقة لأن الفراش اليومي لا يمتعه، ولا يوهمك بأكثر من ذلك. كم أحترم الصادقين مع أنفسهم في يم النفاق الذي أغرقنا.. فقط أقول في الأخير، رجال بلادي قد يصيرون رجالا ونصف،لو فقط تخلصوا من « رجولتهم » تلك التي لقنوها لهم منذ الختان

    أمل الهذيلي

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s